تلميذ في مدرسة الحياة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,,

فلان “علمته الحياة” عبارة نطلقها إعجاب بشخص ما، صقلته التجربة وأنضجته الأيام. و لا شك عندي لما للزمن من أثر عميق في التكوين فكما قال بن جبلة:

وأرى الليالي ما طوت من قوتي … ردته في عظتي وفي إفهامي

غير أن هذا الإفهام والأثر ليس حقا مكتسبا مضمونا، بل يتغير بتغير سلوك الشخص فيكون أعمق لدى من يسابقون الزمن لبناء عقولهم وتكوين رؤاهم، في حين قد لا يعني شيئا كبير للخاملين والكسالى.

هب أن لدينا طالبين: الأول يكتفي بحضور الدرس، فينتبه حينا ويشرد ذهنه أحيانا، ثم لا تجده يكتب شيئا أو يسأل مدرسا أو يراجع كتابا. أما الآخر فهو طالب مجد يُحضِر للدرس ثم يحضُرهُ مهتما به فيحرص على تسجيل الملاحظات، فإذا ما أشكلت عليه مسألة سأل عنها وبذل الجهد لفهمها، أما بعد عودته لبيته فيحرص على تبويب ما سجل ويقوم بفهرسته بطريقة يمكن الرجوع إليها، و ربما أضاف بعض العبارات أو الرسومات التوضيحية والمراجع التي يمكن أن تكون ذات علاقة بالموضوع، بل هو مع كل هذا مبادر لمشاركة زملائه بما توصل إليه.

لا شك أن بين صاحبينا فرق سيُظهِره الزمن، وحتما أن مقدار ما استفادا من الدراسة سيكون متباينا حتى وإن تخرجا من نفس المدرسة وحملا نفس الشهادة. ولئن كانا يمثلان طرفا نقيض في تحصيلهما فإن بينهما مستقل ومستكثر، يحدد درجة هذا الاستكثار أو ضده مدى إدراك الطالب لهويته وما ينتج عن هذا الإدراك من سلوك في تحصيل المعرفة.

إن مثل أولئك الطلاب كمثلنا، فكلنا طلاب في مدرسة الحياة، المُجِد منا هو من أدرك هويته فجعل هدفه تحصيل المعرفة التي تزيدنا رفعة في الدنيا والآخرة بإذن الله. والمعرفة التي اعنيها هي “كل الخبرات والمهارات المكتسبة من قبل الشخص من خلال التجربة أو التعليم، الفهم النظري أو العملي لموضوع ما”.

إن في هذه الحياة دروسا لا تنتهي ومعينا للمعارف لا ينضب، تمر بنا بشكل متكرر وعلى هيئات شتى فيتفاوت مدى إدراكنا لها وتفاعلنا معها، فالعاقل الفطن هو من يقيد هذه الأفكار والمعارف ويسلك معها سلوك الطالب المجد مع مسالة مهمة عرضها أستاذه: يكتبها ثم يراجعها ليسهل استحضارها متى احتاج لذلك بل ويشارك الآخرين بما حصَّل.

العـــلم صيد و الكتابة قيــــده … قيد صُيودك بالحبــال الواثقة

فمن الحــماقة أن تصيد غزالة … وتردها بين الخلائق طالقة

إن عملية التكوين المعرفي هي عملية تراكمية لا تتم دفعة واحدة، بل هي محتاجة لسلوك طالب مجد مع زمن تُضم فيه الفكرة إلى أختها والخاطرة إلى مثيلتها يرافق ذلك وعي وتمحيص و استعداد للتغير والتطوير مع إمعان في النظر بعيد عن قيود العادات و ربقة المألوفات.

إن أي مِن مَن توقف لهم التاريخ وسجلوا حضورهم في هذه الحياة حين تركوا أثرا يقتفى، هم حتما ممن علمتهم مدرسة الحياة فأنضجتهم في مجالهم الذي عُرف بهم وعُرفوا به.

وحتى نكون من أولئك الأفذاذ علينا أن نلبس قبعة الطالب المجد في كل أمور حياتنا فنتعلم من الصغير والكبير من القريب والبعيد من العدو والصديق فمدرسة الحياة تستوعب الكثير و بها العديد من المدرسين من خلفيات شتى ومشارب متباينة.

اسلك في مدارج السالكين في مدرسة الحياة بعين فاحصة ترى أفضل ما في الآخرين فتتخلق به كما ترى ما يعيبهم فتفتش عن هذا السلوك فإن كان فيها نبذته وهربت منه، وإلا حمدت الله و حَذِرت من ذاك السلوك واتقته.

المدرسة واحد والفرق كامن بين طلابها ففيهم السابقون بالخيرات وفيهم المقتصدون وفيهم ظالمي أنفسهم، فلنسابق إلى الخيرات ونأخذ أنفسنا بالحزم والجد فهو طريق الرفعة والسؤدد بتوفيق الله، وليكن شعارنا في مدرسة الحياة “مع المحبرة إلى المقبرة”.

هذا منهجي في مدرسة الحياة و لقراءة المزيد يمكنك زيارتي في

مدونتي مدرسة الحياة

شاكرا ومقدرا مروركم الكريم